علي بن أحمد المهائمي
211
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
ثم أشار إلى أن القول بالفداء أمر متوهم ، وإن ثبت بظاهر النص ، وما ذكرنا مبني على صحته ، فقال : ( اعلم أيدنا اللّه وإياك ) دعا رضي اللّه عنه إشعارا بصعوبة هذا المقام ، وقد وقع فيه السهو لإبراهيم عليه السّلام ( أن إبراهيم الخليل عليه السّلام ) وصفه بذلك إشعارا بأنه مع علو رتبته قد وقع له ما وقع ( قال لابنه إسحاق عليه السّلام إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [ الصافات : 102 ] ) ، ورؤياي حق فلابدّ أن يقع كما رأيت ، أو يقع تأويله لكن لا يناسب . ولدي شيء آخر من كل ما يذبح في الكمال فلا يقع الأعين ، ما رأيت فيها وإلا لوقع الذبح عليه ، ولم يقع إلا على الكبش ، ورؤيا الأنبياء يجوز أن يقع تأويلها ، وذلك أن ( لمنام حضرة الخيال ) وهو كما قد يصور المرئي بصورته ما يناسبه بوجه ما ، وظن أن رؤياه من قبيل الأول ؛ لبعد المناسبة بين ابنه وبين سائر الأشياء سيما الكبش ، ( لم يعبرها ) أنّ رؤياه ، وسها في ذلك ، ( وكان كبش ظهر في صورة ابن إبراهيم عليه السّلام في المنام ) لوقوع الذبح عليه ، والواقع في الحس هو المرئي في المنام ، سواء كان بعين صورته ، أو بما يناسبها ، ( صدق إبراهيم عليه السّلام الرؤيا ) أي : ظاهر ما رأى فأجرى السكين على حلقوم ابنه ، ولو عبر لصدق تأويله دون ظاهره ، فلما صدقه إبراهيم عليه السّلام بوهمه ؛ ساعده ربه على ذلك ، ( فداه ربه من وهم إبراهيم عليه السّلام ) إذ الواقع عليه الذبح هو ابنه ( الذبح العظيم الذي هو تعبير رؤياه عند اللّه ) حيث وقع الذبح عليه فسماه فداء ، وإن كان هو المرئي في المنام بصورة ابنه مساعدة لإبراهيم عليه السّلام ، ( وهو لا يشعر ) تعبير رؤياه ، وإلا لم يجر السكين على حلقوم ابنه . وهذا إشارة إلى مساعدة الحق إياه فيما توهم ولم يشعر ، فكيف لا يساعده فيما يشعر ؟ وإثبات الوهم والسهو لا يبعد في حق الأنبياء - عليهم السّلام ؛ فإنه وقع السهو لنبيّنا عليه السّلام في الصلاة في حديث ذي اليدين ، وفي الاجتهاد في أسارى بدر ، وما قيل لو سها لوجبت متابعته لقوله تعالى : فَاتَّبِعُوهُ [ الأنعام : 153 ] ، ولكان من لا يسهو من أحاد الأمة خيرا منه ؛ مردود بأن الاتباع لا يجب في أمور كثيرة كخواصه عليه السّلام ، والأفعال المباحة له ، فهو عام مخصوص لا يبعد تخصيصه مما وقع فيه سهو ، ولا بدّ وأن يظهر إذ لا يقر عليه السّلام على ذلك . وكون الآحاد أحسن حالا في بعض الأمور الدنيئة لا ينافي علو رتبته عليه السّلام كما في حديث تأبير النخل حيث قال : « أنتم أعلم بأمور دنياكم » « 1 » . إذا لم يشعر إبراهيم عليه السّلام مع كمال علمه بالحقائق بتأويل ما رآه مصورا بصورة ابنه في حضرة الخيال ، ( فالتجلي الصوري ) قيد به ؛ لأن التجلي المعنوي لا يحتاج إلى شيء ، إذ
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 27 ) ، ومسلم ( 1 / 37 ) .